المتابعة : عادل الرحموني
بعد أكثر من أربعة عقود على إنتاجه، يعود الفيلم المغربي الكلاسيكي “السراب” للمخرج الراحل أحمد البوعناني إلى الساحة السينمائية الدولية، من خلال عرضه ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي في نسخته الـ76، ضمن قسم “برلين كلاسيك” المخصص للأعمال السينمائية التراثية.
يشهد الفيلم عرضه العالمي الأول بحلته المرممة، بعد عملية صيانة دقيقة أعادت له جودة الصورة والصوت، ما يعزز تجربة المشاهدة ويعيد تقديمه للأجيال الجديدة. ويأتي هذا العرض في إطار مشاركة المغرب كضيف شرف في السوق الأوروبية للفيلم، لتعزيز حضور السينما المغربية على الصعيد الدولي.
صدر “السراب” سنة 1979، ويعد من أبرز كلاسيكيات السينما المغربية، ويدخل ضمن قائمة أفضل مئة فيلم عربي. تدور أحداثه سنة 1947، ويروي قصة فلاح بسيط يعثر على أوراق نقدية مخبأة في كيس دقيق مخصص للفقراء، ما يدفعه للسفر إلى العاصمة سعياً لتغيير حياته، غير أن رحلته تتحول إلى تجربة إنسانية قاسية تكشف واقع الفقر والظلم، من خلال لقاءات متكررة مع شخصيات مختلفة تؤثر في نظرته للعالم.
وتميز الفيلم ببنية سردية غير خطية ومشاهد متقطعة، مع اعتماد لغة شاعرية تستلهم التراث الفني المغربي، من الزجل والأغنية الشعبية إلى عناصر تقليدية كالحلقة و”البساط”. كما يوظف الفيلم أغان تعود إلى أربعينيات القرن الماضي، ما يمنحه بعداً تاريخياً وجمالياً خاصاً.
وبرز أداء الممثلين، من بينهم محمد الحبشي، عبد الله العمراني، فاطمة الركراكي ومحمد سعيد عفيفي، بتأثر واضح بمدارس التمثيل في سبعينيات القرن الماضي، مع وضوح مخارج الحروف وحضور مسرحي في بعض المقاطع.
واعتمد البوعناني أسلوب التقطيع الشذري وتعدد مستويات القراءة، بعيداً عن التصاعد الدرامي التقليدي، ما فتح المجال أمام تأويلات مختلفة بحسب زاوية نظر المتلقي، وهو ما يجعل “السراب” تجربة سينمائية متفردة تحمل قيمة فنية وتاريخية كبيرة.
ويعكس عرض الفيلم بعد ترميمه بعداً تكريمياً للمخرج الراحل أحمد البوعناني، الذي وافته المنية سنة 2011، ويعد من أبرز الأسماء في تاريخ الفن المغربي، جمع بين الإخراج والسيناريو والكتابة والفن التشكيلي. إلى جانب “السراب”، أنجز البوعناني عدة أفلام قصيرة، من بينها “ذاكرة 14”، كما أصدر كتاب “الباب السابع” لتأريخ السينما المغربية من 1907 إلى 1986.
ويؤكد هذا العرض على أهمية صون التراث السينمائي المغربي وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة داخل المغرب وخارجه، في ظل مشاركة المغرب كضيف شرف في السوق الأوروبية للفيلم بمهرجان برلين، أحد أبرز مواعيد صناعة السينما العالمية.
