مراسل موقع ماتش بريس : رحال الأنصاري .
يُعدّ كرنفال “بيلماون” بعمالة إنزكان أيت ملول أحد أبرز التظاهرات الثقافية التي ارتبطت بالذاكرة الشعبية والهوية التراثية لمنطقة سوس، باعتباره تعبيراً فنياً متجذراً في الوجدان الجماعي، ومناسبة سنوية يُفترض أن تجمع بين الفرجة، والتوثيق، والتنمية الثقافية، وتعزيز الإشعاع السياحي للمنطقة.
ومع كل دورة جديدة، يتجدد النقاش حول هذا الحدث الذي تجاوز حدود الاحتفال المحلي ليحمل صفة “الدولي”، ما يفرض مسؤولية أكبر في التنظيم والتدبير والتخطيط، حتى يواكب هذا الطموح حجم التطلعات والانتظارات لدى الساكنة والفاعلين الثقافيين.
فبيلماون ليس مجرد عرض فولكلوري، بل هو إرث حضاري يعكس عمق الهوية الأمازيغية وغنى الموروث الشعبي، وهو ما يجعل الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال به من منطق الاحتفال الموسمي إلى مشروع ثقافي وتنموي متكامل، يدمج بين الإبداع الفني، والتأطير العلمي، والانفتاح على التجارب الدولية في مجال تثمين التراث اللامادي.
غير أن هذا الطموح يضع في الواجهة أسئلة مشروعة حول العدالة المجالية في تنظيم التظاهرة، ومدى إشراك مختلف الجماعات الترابية والفعاليات المحلية في صناعة القرار الثقافي، بما يضمن أن يكون بيلماون مشروعاً جماعياً لا حكراً على جهة دون أخرى، خصوصاً أن هذا الحدث يُمول في جزء كبير منه من المال العام ومساهمات مؤسسات ترابية متعددة.
ومن زاوية أخرى، يبرز النقاش حول ضرورة تطوير البعد العلمي والفكري المرتبط بهذه التظاهرة، عبر تنظيم ندوات أكاديمية، وفتح فضاءات للنقاش والتوثيق، وتشجيع البحث في جذور هذا التراث وتحولاته، بما يساهم في حمايته من التبسيط أو الاستهلاك الموسمي، ويمنحه بعده الحضاري المستحق.
كما يشكل الجانب التنظيمي والتوزيع المجالي للأنشطة أحد أبرز رهانات النجاح، حيث يطالب العديد من الفاعلين بضرورة ضمان استفادة متوازنة لكل المراكز الحضرية والجماعات المشاركة، وتوسيع دائرة الأنشطة الثقافية والفنية، حتى يشعر كل مواطن بأن هذا الحدث يعبر عنه ويعكس هويته المحلية.
وفي السياق ذاته، يظل الرهان الأكبر مرتبطاً بمدى قدرة هذا الكرنفال على التحول إلى رافعة اقتصادية وسياحية حقيقية، تساهم في تنشيط الحركة التجارية، واستقطاب الزوار، وإبراز المؤهلات الثقافية للمنطقة على الصعيدين الوطني والدولي، بدل الاكتفاء بالجانب الاحتفالي فقط.
إن بيلماون اليوم أمام لحظة مفصلية تتطلب رؤية جديدة، تُزاوج بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح على التطوير، وبين صون التراث وإدماجه في مشاريع تنموية مستدامة، تجعل منه نموذجاً ناجحاً لتثمين الثقافة المحلية في بعدها الإنساني والاقتصادي.
وفي ظل هذا الزخم، يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه المتتبعون: كيف يمكن تحويل بيلماون من مجرد كرنفال سنوي إلى مشروع ثقافي متكامل ومستدام؟ وكيف يمكن ضمان أن يظل هذا التراث ملكاً جماعياً، يعكس روح المنطقة بكل تنوعها، ويحقق العدالة في الاستفادة، ويعزز إشعاعها على المستويين الوطني والدولي؟
بيلماون إذن ليس فقط احتفالاً بالفرجة، بل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في العلاقة بين الثقافة والتنمية، وبين التراث والمستقبل، وبين الهوية والانفتاح.

