■ بقلم الصحفي الرياضي اليمني : رائد عابد
بعد نهاية مباراة المنتخب المصري ونظيره المنتخب الأرجنتيني، وما أثارته من جدل واسع بسبب عدد من القرارات التحكيمية التي رأى كثير من المتابعين أنها أثرت في مجريات اللقاء، رغم التطور التكنولوجي الكبير الذي أصبح يرافق منظومة التحكيم في كرة القدم، بدا وكأن التكنولوجيا تحولت إلى مجرد وسيلة باهظة التكلفة، من دون أن تحقق العدالة التي أُدخلت من أجلها.
وبينما كانت ردود الفعل والتغريدات تتوالى منددة بما شهدته المباراة، تذكرت كتابًا قديمًا أُهدي إليّ خلال إحدى زياراتي المتعددة إلى ليبيا، صدر في طرابلس عام 2006 بعنوان «الفيفا تعدل أو تلغى» عن المركز العام للإذاعات الموجهة.
وربما كان هذا الكتاب سابقًا لعصره؛ إذ ضم مجموعة من الدراسات والآراء والمقالات لعدد من الأكاديميين والإعلاميين، دارت جميعها حول فكرة رئيسية واحدة، وهي ضرورة مراجعة منظومة الاتحاد الدولي لكرة القدم وإصلاحها.
وجاء في مقدمة الكتاب :
«ما دامت الفيفا تُحسب دولية وليست ملكًا لجهة بعينها أو لدولة أو لمجموعة من الدول، فلا يحق لأحد أن يحتكرها أو يستغلها أو يكيفها كما يشاء. ولكن هذا هو حال الفيفا الآن؛ فهي ليست لكل الدول، بل محتكرة ومستغلة أسوأ استغلال، ومكيَّفة وفق مصالح محتكريها ومستغليها. وحيث إن منشأ الفيفا هو تحقيق فائدة اجتماعية ونفسية للناس، فإن العكس هو الذي حققته الفيفا».
وفي الصفحة (24)، ينقل الكتاب رأيًا للأستاذ سمير كرم، المستشار ومدير الدراسات في مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، يقول فيه :
«لقد ثبت في مراحل عديدة خلال السنوات الماضية أن شخصيات كانت تشغل مناصب مهمة في الفيفا لعبت لحسابها الشخصي، وتلقت رشاوى من أجل أمور معينة، منها منح تنظيم مباريات في مكان وحرمان منطقة أخرى».
ولا يقتصر الكتاب على هذا الجانب، بل يناقش أيضًا ما يصفه بالممارسات التمييزية داخل الفيفا تجاه الدول الأقل إمكانات، ويطالب بوضع حد للفوارق في التعامل بين الدول والمنتخبات، كما يدعو إلى تمكين الجماهير من متابعة مباريات كرة القدم دون أعباء مالية تعجيزية، خاصة في الدول الفقيرة التي تعد كرة القدم جزءًا من ثقافتها اليومية.
ومن اللافت أن هذا الكتاب صدر عام 2006، أي قبل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وقبل التغييرات الكبرى التي شهدها الاتحاد الدولي لكرة القدم، والتي انتهت برحيل الرئيس السويسري جوزيف سيب بلاتر عام 2015، وانتخاب جياني إنفانتينو رئيسًا للفيفا في فبراير 2016، وهو المنصب الذي لا يزال يتولاه حتى اليوم.
اليوم، وبعد نحو عشرين عامًا على صدور ذلك الكتاب، تبدو بعض الأسئلة التي طرحها أكثر حضورًا من أي وقت مضى، خصوصًا في ظل التحولات الاقتصادية الهائلة التي تشهدها كرة القدم العالمية.
ففي بطولة كأس العالم 2026، تتجه إيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) إلى تسجيل مستوى قياسي غير مسبوق، مدفوعة بتوسيع البطولة وارتفاع عوائد التذاكر والرعاية وحقوق البث، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن كيفية إنفاق هذه الأموال ومدى شفافية إدارتها.
وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، يتوقع الفيفا تحقيق إيرادات إجمالية تبلغ 13 مليار دولار خلال الدورة المالية الممتدة بين عامي 2023 و2026، منها 8.9 مليارات دولار مرتبطة مباشرة بكأس العالم المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
إن هذه الإيرادات الضخمة، القادمة من كبرى الشركات العالمية، تجعل من الفيفا واحدة من أكثر المؤسسات الرياضية تأثيرًا في العالم، ليس فقط في كرة القدم، وإنما أيضًا في الاقتصاد والإعلام وصناعة الترفيه. ولذلك، فإن كل قرار تتخذه، وكل مباراة تديرها، وكل بطولة تنظمها، يجب أن تكون محل ثقة الجماهير، وأن تستند إلى أعلى معايير العدالة والشفافية.
ولعل هذا ما يجعل كتاب «الفيفا تعدل أو تلغى»، رغم مرور قرابة عشرين عامًا على صدوره، يستحق أن يُقرأ من جديد؛ ليس لأن القارئ سيتفق مع كل ما ورد فيه، بل لأن كثيرًا من الأسئلة التي طرحها لا تزال مطروحة حتى اليوم، وما زالت تبحث عن إجابات.

