توقيع : حميد أدادا
يبدو برشلونة في صيف 2026 كأنه عاد فجأة إلى زمن الصفقات الكبرى، رودري، غوردون وأدييمي، وربما أسماء أخرى في الطريق، في وقت كان فيه النادي قبل سنوات قليلة عاجزاً عن تسجيل لاعبيه بحرية، لكن خلف هذه الصورة البراقة توجد هندسة مالية دقيقة: برشلونة لا يتحرك لأن خزائنه امتلأت، بل لأنه أصبح يعرف كيف يحوّل كل يورو يدخل النادي إلى مساحة جديدة للتحرك، العودة إلى قاعدة 1:1 كانت المفتاح، وبموجب هذه القاعدة، يستطيع برشلونة الإنفاق على الرواتب الرياضية والتسجيلات بما يتناسب مع موارده وحساباته، بعدما ظل لسنوات مقيداً بسبب وضعه المالي.
أحد أهم مفاتيح هذه العودة كان التخلص من الرواتب الثقيلة وبيع اللاعبين، فرحيل ليفاندوفسكي وحده حرر أكثر من 40 مليون يورو من كتلة الأجور، بينما ساهم ارتفاع إيرادات النادي بنحو 70 مليوناً، بفضل عوامل بينها مداخيل الملعب والمقاعد الخاصة والرعاية، في تحسين هامش برشلونة المالي، ثم جاءت صفقة فيران توريس إلى باريس سان جيرمان مقابل 50 مليون يورو، وهي خامس أكبر عملية بيع في تاريخ برشلونة بحسب كادينا سير، والأهم أن الصفقة لم توفر أموالاً فقط، بل أزاحت أيضاً جزءاً من كلفة الرواتب والاستهلاك المحاسبي، لتمنح النادي مساحة إضافية في حسابات اللعب المالي.

لكن برشلونة لم يكتفِ بالمبيعات، فالإدارة لجأت أيضاً إلى الائتمان لتمويل نشاطها في السوق، وهو ما يجعل الصورة أكثر تعقيداً: النادي يتحرك بأموال حاضرة، وإيرادات مستقبلية، ومساحات مالية تحررت بخروج لاعبين كبار، وهنا تكمن براعة الخطة ومخاطرها في الوقت نفسه، فبرشلونة استطاع أن يحوّل خروج لاعب إلى فرصة لتسجيل لاعب آخر، وأن يحول راتباً ثقيلاً إلى مساحة لصفقة جديدة، لكن ذلك لا يعني أن الأزمة المالية أصبحت من الماضي، فالتقارير تشير إلى أن النادي قد يجد نفسه مجدداً أمام قيود قاعدة 1:1 في الموسم المقبل.
صفقة رودري تختصر هذه المعادلة بأفضل شكل، انتقال لاعب الوسط الإسباني من مانشستر سيتي إلى برشلونة بلغت قيمته المعلنة نحو 60 مليون يورو ثابتة مع متغيرات قد ترفعها إلى 75 مليوناً، ما يجعل الصفقة واحدة من أضخم تحركات النادي هذا الصيف، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من أين جاء برشلونة بكل هذه الأموال؟ بل: كيف استطاع تحويل موارده المحدودة إلى قوة شرائية ضخمة؟
الإجابة تكمن في مثلث واضح: البيع، تخفيض كتلة الأجور، واستغلال الهامش المالي والتمويل المتاح، برشلونة لم يخرج تماماً من أزمته؛ لكنه تعلم كيف يديرها، وكيف يجعل من كل عملية خروج وقوداً لعملية دخول جديدة، وهذا هو سر «تهاطل الملايين» الذي يغذي البارسا، بما معناه أن الأموال لا تتدفق فقط إلى برشلونة، بل يدور المال داخله باستمرار، وكلما خرج لاعب، تحررت مساحة لآخر.

