المتابعة: مراسل موقع ماتش بريس – مالكي عيسى
مداغ – إقليم بركان: احتضنت منطقة مداغ، خلال الفترة الممتدة من 24 إلى 27 غشت 2026، فعاليات الدورة الرابعة عشرة للقرية التضامنية للطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى، تحت إشراف شيخ الطريقة، الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، في إطار تظاهرة تجمع بين البعد الروحي والثقافي، وقيم التضامن وتشجيع المبادرة الاقتصادية والاجتماعية.
وتأتي هذه الدورة في سياق يتزامن مع فعاليات الملتقى العالمي للتصوف والاستعدادات للاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، لتجعل من مداغ فضاء مفتوحا للتلاقي والحوار وتبادل التجارب، إلى جانب التعريف بالمبادرات المحلية ودعم الفاعلين في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في صلب الاهتمام
اختارت الدورة الرابعة عشرة شعارا يعكس التوجه العام لهذه التظاهرة:
«الرؤية الملكية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.. من تعزيز الحكامة إلى ترسيخ العدالة المجالية».
ويعكس هذا الشعار المكانة التي بات يحتلها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره أحد المداخل المهمة لتحقيق التنمية المستدامة، ودعم المبادرات المنتجة، وخلق فرص جديدة لفائدة مختلف الفئات، وخاصة النساء والشباب.
فالقرية التضامنية لا تقتصر على عرض المنتجات، وإنما تسعى إلى التعريف بالطاقات المحلية وتشجيع أصحاب المشاريع والتعاونيات والجمعيات على تطوير مبادراتهم، بما يساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي وتحقيق قدر أكبر من الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

التعاونيات والمبادرات المحلية حاضرة بقوة
شهدت أروقة القرية التضامنية مشاركة عدد من التعاونيات والمشاريع والمبادرات المحلية، التي قدمت نماذج متنوعة من المنتجات والتجارب، في مشهد يعكس غنى المنطقة وتنوع مهارات الفاعلين المحليين.
وشكلت هذه المشاركة فرصة للتعريف بالمنتجات المحلية والتواصل المباشر بين أصحاب التعاونيات والزوار والمشاركين، فضلا عن تبادل التجارب والخبرات وفتح آفاق جديدة للتعاون والشراكة.
كما أتاحت هذه الفضاءات إبراز الجهود التي تبذلها العديد من المبادرات المدنية والتعاونية في سبيل تثمين الموارد المحلية وتحويلها إلى مشاريع منتجة قادرة على خلق قيمة مضافة والمساهمة في تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
التكوين والتأطير.. رهان على تطوير الكفاءات
لم تغب عن فعاليات الدورة الأبعاد التكوينية والتأطيرية، حيث تم تنظيم عدد من الورشات واللقاءات لفائدة التعاونيات والجمعيات والفاعلين في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وتناولت هذه اللقاءات مواضيع مرتبطة بتطوير المشاريع، وتحسين آليات التدبير، وتعزيز الحكامة، والرفع من قدرات الفاعلين، إلى جانب تبادل الخبرات والتجارب والبحث عن سبل جديدة لتطوير المبادرات الاقتصادية والاجتماعية.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة، باعتبار أن نجاح المشاريع التضامنية لا يرتبط فقط بتوفر المنتوج أو الفكرة، وإنما يحتاج أيضا إلى التكوين وحسن التدبير والتسويق والقدرة على بناء شراكات مستدامة.
مولاي منير القادري: التضامن مدخل للتنمية والاندماج
وفي كلمته خلال فعاليات الدورة، أبرز الدكتور مولاي منير القادري بودشيش أهمية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في دعم التنمية المحلية وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، مع التأكيد على ضرورة توفير الإمكانيات والفرص أمام النساء والشباب لتمكينهم من إطلاق مشاريعهم وتطويرها والمساهمة في الدينامية التنموية.
ويحمل هذا التوجه دلالة خاصة، باعتبار أن التنمية لا تقوم فقط على المشاريع الكبرى، وإنما تحتاج أيضا إلى دعم المبادرات المحلية وتمكين الفاعلين من الوسائل التي تساعدهم على الانتقال من المبادرة الفردية إلى مشاريع أكثر تنظيما واستدامة.
من الروحي إلى الاجتماعي.. قيم التصوف في خدمة الإنسان
تتميز القرية التضامنية بخصوصية تجمع بين القيم الروحية للتصوف والعمل الاجتماعي والاقتصادي، من خلال جعل التضامن والتعاون وخدمة الإنسان من بين المرتكزات التي تؤطر مختلف المبادرات والأنشطة.
ومن هذا المنطلق، أصبحت هذه التظاهرة مناسبة للتعريف بمفهوم التضامن باعتباره ممارسة عملية تتجاوز الجانب النظري، من خلال تشجيع المبادرات المنتجة، ودعم الفئات المحلية، وتقوية جسور التواصل بين مختلف الفاعلين.
كما يشكل تزامن القرية التضامنية مع فعاليات الملتقى العالمي للتصوف مناسبة لإبراز العلاقة بين القيم الروحية والتنمية الإنسانية، والتأكيد على أن خدمة المجتمع وتمكين الإنسان يمكن أن يشكلا امتدادا عمليا لقيم التعاون والتكافل والتآزر.

العدالة المجالية.. التنمية تبدأ من دعم المبادرات المحلية
تحضر مسألة العدالة المجالية بقوة ضمن فلسفة هذه الدورة، من خلال التركيز على أهمية دعم المشاريع والمبادرات المحلية، وتمكين الفاعلين من فرص تساعدهم على تطوير أنشطتهم وتحقيق حضور اقتصادي واجتماعي أكبر.
فالعدالة المجالية لا تعني فقط توزيع الاستثمارات، وإنما تشمل كذلك توفير الظروف الملائمة أمام أبناء المناطق المحلية لتطوير قدراتهم ومشاريعهم والاستفادة من الإمكانيات المتاحة، بما يساهم في خلق دينامية اقتصادية واجتماعية متوازنة.
مداغ.. موعد سنوي للتلاقي والتضامن
وبفضل تنوع فقراتها ومضامينها، تواصل القرية التضامنية للطريقة القادرية البودشيشية ترسيخ حضورها كموعد يجمع بين التصوف والثقافة والتكوين والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتعاون.
وتؤكد الدورة الرابعة عشرة أن التنمية بمفهومها الشامل تحتاج إلى تضافر الجهود بين مختلف الفاعلين، وإلى الاستثمار في الإنسان وتشجيع المبادرات المحلية، خصوصا تلك التي يقودها الشباب والنساء.
وهكذا، تحولت مداغ، على مدى أيام هذه الدورة، إلى فضاء للتواصل والتعاون وتبادل الخبرات، في صورة تعكس التقاء القيم الروحية بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وتجسد رهانا على جعل التضامن والعمل المشترك رافعة لخدمة الإنسان والمجتمع.
وبذلك تواصل القرية التضامنية مسارها، سنة بعد أخرى، في دعم المبادرات المنتجة، وإبراز الطاقات المحلية، وتشجيع التعاونيات والجمعيات، وترسيخ ثقافة التضامن، بما ينسجم مع تطلعات بناء تنمية أكثر شمولا واستدامة، قوامها الإنسان والتعاون والعدالة المجالية.


