بقلم: رائد عابد علي
لا أحد يختلف على أن ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. وقد ينقسم العالم بين من يرى هذا الأفضل أو ذاك الأعظم، وهذا أمر طبيعي وصحي، لأن الاختلاف في الآراء جزء من جمال الرياضة.
لكن غير الطبيعي أن يتحول هذا الاختلاف إلى سيل من الشتائم والإساءات والكراهية، وكأن أحد النجمين فرد من العائلة، أو أن الدفاع عنه يفرض الإساءة إلى الآخر.
في السنوات الأخيرة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مسرحًا لمعارك لفظية لا تنتهي بين أنصار ميسي ورونالدو. تعليقات مليئة بالسخرية، وعبارات تتجاوز حدود الذوق، وأحيانًا تصل إلى العنصرية والتجريح الشخصي، وكل ذلك باسم “التشجيع”.
والأكثر إيلامًا أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على بعض الجماهير، بل امتدت إلى قلة ممن يقدمون أنفسهم على أنهم إعلاميون أو صحفيون، رغم أن الرسالة الإعلامية تقوم قبل كل شيء على المهنية، واحترام الرأي الآخر، والارتقاء بالحوار، لا تأجيج التعصب وإشعال الخلافات من أجل زيادة التفاعل أو كسب المتابعين.
والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن ميسي ورونالدو لا يعيشان هذه المعارك الوهمية. فالعلاقة بينهما يسودها الاحترام المتبادل، وقد أشاد كل منهما بالآخر في أكثر من مناسبة، بينما ينشغلان اليوم بما هو أهم بكثير من متابعة منشور أو الرد على تعليق في وسائل التواصل الاجتماعي.
كلاهما يفكر فيما بعد كرة القدم. يبني استثماراته، ويعزز علامته التجارية، ويدخل في مشاريع رياضية وعقارية وتجارية تضمن له استمرار النجاح بعد الاعتزال. إنهما يخططان للمستقبل بعقلية المستثمر، بينما لا يزال بعض المشجعين يبددون أوقاتهم في معارك لا تضيف إلى حياتهم شيئًا.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل متعصب على نفسه: ماذا ربحت من كل هذا الجدل؟ وهل تغيرت حياتك لأن ميسي سجل هدفًا، أو لأن رونالدو حطم رقمًا قياسيًا؟ وهل اقتربت خطوة واحدة من تحقيق أحلامك، بينما نجمك المفضل يعمل بصمت على توسيع أعماله وبناء مستقبله؟
إن التعصب الذي يقود إلى السب والشتم لا يعكس قوة الانتماء، بل يكشف ضعف الوعي. فالكلمة مسؤولية، وما يُكتب اليوم قد يبقى شاهدًا على صاحبه سنوات طويلة. والرياضة، التي وجدت لتقريب الشعوب ونشر قيم الاحترام والتنافس الشريف، لا ينبغي أن تتحول إلى منصة للكراهية أو تصفية الحسابات.
التشجيع حق مشروع، بل هو جزء من متعة كرة القدم، لكن هذا الحق لا يمنح أحدًا رخصة للإساءة أو التقليل من الآخرين. يمكنك أن تعشق ميسي، أو تعشق رونالدو، أو تشجع أي فريق في العالم، دون أن تجرح أحدًا أو تفقد احترامك لنفسك قبل احترام الآخرين.
ولعل الرسالة الأهم هي أن نجاح الآخرين لا ينبغي أن يكون سببًا لفشلك الأخلاقي. فلا تجعل لاعبًا، مهما بلغت مكانته، يدفعك إلى كتابة كلمة قد تندم عليها، أو إلى خسارة احترام الناس من أجل معركة لن يعلم بوجودها أصلًا.
في النهاية، سيعتزل ميسي ورونالدو، وستبقى الإنجازات أرقامًا في سجلات التاريخ، لكن الأخلاق ستظل هي المعيار الحقيقي الذي يُقاس به الإنسان.
وتذكر دائمًا…
ميسي لن يقرأ تعليقك، ورونالدو لن يرد على إساءتك، لكن الجميع سيقرأ أخلاقك في كل كلمة تكتبها .

