لم تعد الرياضة في المغرب مجرد قطاع يرتبط بالترفيه أو المنافسة وتحقيق النتائج، بل أصبحت، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية المتسارعة، رافعة للتنمية الترابية، وآلية للاستثمار في الرأسمال البشري، ومجالاً لتقليص الفوارق المجالية وتعزيز جاذبية المدن والأقاليم، ومن هذا المنطلق، يطرح الاستثمار العمومي الترابي في المجال الرياضي، في أفق سنة 2030، سؤالاً أكبر من مجرد بناء ملاعب أو تأهيل منشآت: كيف يمكن الانتقال من الاستثمار في البنية الرياضية إلى بناء منظومة رياضية ترابية متكاملة، ذات مردودية اجتماعية واقتصادية ورياضية، وقابلة للاستدامة؟
وتكتسي كرة القدم أهمية خاصة باعتبارها النموذج الأكثر وضوحاً لحجم الاستثمار العمومي والخاص، ولارتباطها بالبنية التحتية، والشباب، والسياحة، والإعلام، والاقتصاد المحلي، وصناعة المواهب.
وقد عرف الإطار القانوني والمؤسساتي للرياضة بالمغرب تطوراً مهماً، خصوصاً مع دستور 2011 الذي رسخ مجموعة من المبادئ المرتبطة بتوسيع المشاركة، والحكامة، والعدالة المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ لا يمكن فصل السياسة الرياضية عنها، كما شكل القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة محطة أساسية في تنظيم القطاع، من خلال تحديد أدوار مختلف المتدخلين، وتأطير المؤسسات والهيئات الرياضية، وتعزيز قواعد الحكامة والتدبير، ويعتبر هذا القانون الإطار الأساسي المنظم للقطاع الرياضي، كما يربط ممارسة الرياضة بخدمة التربية والصحة والإدماج الاجتماعي، ويؤكد مسؤولية الدولة، إلى جانب باقي الأشخاص والهيئات العامة والخاصة، في تطوير الحركة الرياضية والبنيات التي تتيح ممارسة الأنشطة الرياضية.
غير أن التطور القانوني لا يعني بالضرورة اكتمال منظومة الحكامة الرياضية الترابية. فهناك تعدد في المتدخلين: الدولة، والقطاعات الحكومية، والجماعات الترابية، والجهات، والعمالات والأقاليم، والمؤسسات العمومية، والجامعات الرياضية، والعصب، والأندية والجمعيات، إضافة إلى القطاع الخاص، وهنا تبرز إشكالية جوهرية: من يخطط للاستثمار الرياضي؟ ومن يموله؟ ومن ينجزه؟ ومن يتحمل كلفة تشغيله وصيانته؟ ومن يقيس أثره على التنمية المحلية؟ فالفاعل الترابي لم يعد مجرد طرف يقدم دعماً موسمياً للجمعيات الرياضية، وإنما يفترض أن يصبح شريكاً أساسياً في صياغة السياسات الرياضية الترابية.
وتمنح الجهوية المتقدمة، في هذا السياق، فرصة لإعادة التفكير في الرياضة باعتبارها جزءاً من التخطيط الترابي، وليس قطاعاً معزولاً عن التعليم والصحة والشباب والسياحة والنقل والتشغيل. كما أن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أكدت الحاجة إلى ملاءمة الإطار القانوني الرياضي مع الدستور والتقسيم الجهوي الجديد، والانفتاح على الجماعات الترابية في إطار الاختصاصات المشتركة التي تحددها القوانين التنظيمية، ويشكل التمويل العمومي أحد أعمدة السياسة الرياضية، غير أن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، بل أيضاً بكيفية توجيهها، وترتيب الأولويات، وقياس مردوديتها، وتتداخل في تمويل الاستثمار الرياضي مجموعة من الآليات، من بينها: اعتمادات الدولة والقطاعات الحكومية المختصة، وميزانيات الجهات والجماعات الترابية، ومساهمات المؤسسات العمومية، وبرامج ومخططات التنمية الترابية، وصناديق وآليات دعم الرياضة والشباب، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتمويل المرتبط بالبرامج التنموية المندمجة، والاستثمار الخاص والرعاية والاستشهار، وموارد الأندية والجامعات والعصب، إضافة إلى التمويلات المرتبطة بالتعاون الدولي عندما تتوفر شروطها.
لكن تعدد مصادر التمويل لا يعني بالضرورة وجود منظومة تمويل ناجعة، فالرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من تمويل المشاريع المتفرقة إلى تمويل برامج رياضية ترابية ذات أهداف واضحة، ومؤشرات للنتائج، وآجال زمنية، ومسؤوليات محددة. فلا معنى، مثلاً، لبناء ملعب رياضي بمواصفات جيدة إذا لم تتوفر ميزانية دائمة للصيانة والتشغيل والتأطير والاستغلال. وهنا تظهر قاعدة أساسية في اقتصاد الاستثمار العمومي: كلفة المنشأة ليست هي الكلفة الحقيقية للمشروع؛ فالكلفة الحقيقية تشمل دورة حياة المنشأة كاملة، ويمثل الفاعل الترابي، وخاصة الجهة، أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح الاستثمار الرياضي خلال السنوات المقبلة، فالجهة ليست فقط مجالاً إدارياً، بل فضاءً اقتصادياً واجتماعياً يمكن أن تتحول فيه الرياضة إلى مكون من مكونات التنمية الترابية، ومن هنا يمكن للفاعل الترابي أن يضطلع بعدة أدوار، من بينها إعداد خرائط رياضية ترابية تحدد مكامن الخصاص في الملاعب، ومراكز التكوين، والمرافق الرياضية، ومناطق ممارسة الرياضة المدرسية والشبابية، وتوجيه جزء من الموارد العمومية نحو مشاريع ذات أثر طويل المدى، بدل الاقتصار على منح ظرفية للأندية والجمعيات، وخلق انسجام بين تدخلات القطاعات الحكومية والجماعات والجامعات الرياضية والمؤسسات التعليمية والأندية والقطاع الخاص.
كما أن الاستثمار الحقيقي يتطلب الاستثمار في الإنسان؛ فالمنشأة الرياضية لا تصنع البطل وحدها. وهذا الاستثمار يشمل تكوين المدربين، والأطر الإدارية، والحكام، والأطباء الرياضيين، والمعدين البدنيين، والمسيرين، والمتخصصين في التسويق والاقتصاد الرياضي، إلى جانب تطوير نماذج اقتصادية تجعل المنشأة الرياضية قادرة على إنتاج جزء من مواردها، بدل أن تبقى عبئاً دائماً على المالية العمومية.
وإذا كانت الرياضة نموذجاً عاماً، فإن كرة القدم تمثل المختبر الأكثر وضوحاً لاختبار نجاح أو فشل الاستثمار الرياضي الترابي.
فالأكاديميات ومراكز التكوين والملاعب القريبة من السكان، ومراكز الطب الرياضي، ومرافق التدريب، والنقل الرياضي، كلها حلقات في سلسلة واحدة، لكن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه في أفق 2030 هو: هل نبني الملاعب من أجل المباريات، أم نبني منظومة كروية تنتج اللاعبين وتخلق فرص الشغل وتساهم في الاقتصاد المحلي؟
الجواب يتطلب تغييراً في فلسفة الاستثمار؛ فالملعب يجب أن يكون جزءاً من منظومة تضم: التكوين، والمنافسة، واكتشاف المواهب، والتعليم، والطب الرياضي، والتسويق، والاستثمار الخاص، والسياحة الرياضية، والتشغيل، ومن هنا يمكن للكرة أن تتحول من مجرد نشاط تنافسي إلى اقتصاد رياضي ترابي.
كما أن الاستثمار العمومي في الرياضة يطرح إشكالية التوازن بين الحق الاجتماعي في ممارسة الرياضة وبين ضرورة الحفاظ على عقلانية الإنفاق العمومي، فالمال العمومي محدود، بينما الحاجيات متعددة. ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كم أنفقنا على الرياضة؟
بل: ماذا حقق هذا الإنفاق؟
وهنا تبرز الحاجة إلى اعتماد مؤشرات جديدة لتقييم الاستثمار الرياضي، مثل عدد المستفيدين من المنشآت، ونسبة استغلال المرافق، وعدد المواهب التي تم اكتشافها وتكوينها، وعدد فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، والإيرادات التي تنتجها المنشآت، ومستوى مشاركة النساء والشباب، ومدى استفادة المناطق القروية وشبه الحضرية، وأثر الاستثمار الرياضي على الصحة والتعليم والسياحة، وتكلفة الصيانة مقارنة بعمر المنشأة، والمردودية الاقتصادية والاجتماعية للمشروع، وهنا تصبح الحكامة المالية شرطاً أساسياً للحكامة الرياضية، ومن أبرز التحديات التي تواجه السياسات الرياضية العمومية أيضاً أن التقييم غالباً ما ينصب على حجم المشاريع المنجزة، وليس بالضرورة على أثرها الحقيقي. فافتتاح ملعب جديد يعتبر إنجازاً، لكن الإنجاز لا يصبح سياسة ناجحة إلا عندما نعرف: هل يتم استغلال الملعب بشكل منتظم؟ هل يستفيد منه الأطفال والشباب؟ هل تتوفر الجمعيات والأندية على القدرة المالية لتشغيله؟ هل توجد أطر مؤهلة؟ هل تم تخصيص ميزانية للصيانة؟ وهل ساهم المشروع في خلق نشاط اقتصادي محلية؟ وهذا يقود إلى ضرورة الانتقال من حكامة المشاريع إلى حكامة النتائج.
أي أن تقييم السياسة الرياضية يجب أن يرتبط بمؤشرات كمية ونوعية واضحة، وبآليات للتتبع والمراقبة والتقييم المستقل.
فالرياضة والتنمية الترابية المندمجة، ما بعد الملعب، تمتلك قدرة استثنائية على التقاطع مع عدد كبير من السياسات العمومية. فمركز تكوين رياضي يمكن أن يرتبط بالتعليم، والرياضة المدرسية يمكن أن ترتبط بالصحة والوقاية، والملعب يمكن أن يرتبط بالسياحة وتنشيط الاقتصاد المحلي، والنادي يمكن أن يصبح مؤسسة اقتصادية واجتماعية، والأكاديمية يمكن أن تكون فضاءً لاكتشاف المواهب وصناعة فرص جديدة للشباب، وبالتالي، فإن الاستثمار الرياضي الذكي لا ينظر إلى الرياضة كقطاع منفصل، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة التنمية الترابية المندمجة، وهنا تبرز أهمية التنسيق بين مخططات التنمية الجهوية، وبرامج الجماعات، والسياسات الحكومية القطاعية، والاستراتيجيات الرياضية.

ويبدو أفق 2030 فرصة لإعادة صياغة النموذج المغربي في الاستثمار الرياضي، والرهان ليس فقط على المنشآت الكبرى، وإنما على بناء شبكة متكاملة من البنيات الرياضية التي تربط القرية بالمدينة، والهواة بالمحترفين، والمدرسة بالنادي، والتكوين بالمنافسة، والاستثمار العمومي بالاستثمار الخاص.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تقوم الرؤية المستقبلية على سبعة مرتكزات:
أولاً: اعتماد التخطيط الرياضي الترابي المبني على خرائط دقيقة للحاجيات.
ثانياً: الانتقال من منطق الدعم السنوي إلى منطق تمويل المشاريع الرياضية متعددة السنوات.
ثالثاً: ربط التمويل العمومي بمؤشرات الأداء والنتائج.
رابعاً: تطوير الشراكات بين الدولة والجهات والجماعات والقطاع الخاص.
خامساً: جعل مراكز التكوين واكتشاف المواهب أولوية، وليس فقط الملاعب والمنشآت.
سادساً: تعزيز الشفافية والمراقبة والتقييم في تدبير المال العمومي الرياضي.
سابعاً: تحويل الرياضة إلى مكون من مكونات الاقتصاد الترابي، بما يساهم في التشغيل والسياحة والتنشيط الاقتصادي والاجتماعي.
إن أكبر تحول مطلوب في أفق 2030 هو تغيير النظرة إلى الاستثمار العمومي الرياضي، فالرياضة ليست مجرد بند في الميزانية، والملعب ليس مجرد بناية، والنادي ليس مجرد فريق يخوض المنافسات، الرياضة منظومة اقتصادية واجتماعية وتربوية وتنموية. ومن ثم فإن نجاح الاستثمار العمومي الترابي لن يقاس بعدد الملاعب التي تم تشييدها، ولا بحجم الأموال التي تم ضخها، وإنما بقدرته على صناعة الإنسان، واكتشاف المواهب، وتقليص الفوارق المجالية، وخلق فرص الشغل، وتحريك الاقتصاد المحلي، وتحقيق العدالة الرياضية والمجالية.
وفي كرة القدم تحديداً، فإن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من تدبير الموسم الرياضي إلى تدبير المشروع الرياضي، ومن منطق رد الفعل إلى التخطيط، ومن الدعم الظرفي إلى الاستثمار المستدام، ومن الحكامة الإدارية إلى الحكامة القائمة على النتائج.
فإذا كان المغرب يتجه نحو 2030 برهانات رياضية وتنموية كبرى، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في أن تكون له ملاعب عالمية، بل في أن تكون له منظومة رياضية ترابية قادرة على إنتاج الأبطال، وصناعة القيمة، وخدمة المواطن، وتحويل الرياضة إلى رافعة حقيقية للتنمية، ذلك هو الاستثمار الذي يستحق أن نراهن عليه: الاستثمار في المنشأة، نعم، ولكن قبلها وبعدها في الإنسان، وفي الحكامة، وفي المشروع الترابي الذي يجعل من الرياضة حقاً اجتماعياً وقيمة اقتصادية ورافعة للتنمية.

