توقيع: حميد أدادا
يا لها من مفارقة! منتخب مغربي لأقل من 20 سنة يصعد إلى قمة العالم، يكتب التاريخ، يهزم الكبار، ويتوج بكأس العالم، فيصبح المنتظر طبيعيًا هو البناء على هذا النجاح، وتثبيت المشروع، وحماية الجيل الذي صنع المعجزة، محمد وهبي قاد هذا الجيل إلى لقب عالمي تاريخي، ثم ارتقى إلى تدريب المنتخب الأول، وهو أمر منطقي ومشروع، لكن بدل أن تبحث الجامعة عن استمرارية حقيقية لهذا المشروع، اختارت الفرنسي لودوفيك باتيلي لقيادة منتخب أبطال العالم. نعم، باتيلي، المدرب الذي سبق له الاشتغال في الجزائر سنة 2019، قبل أن تنتهي تجربته هناك بالإقالة بعد فشل منتخبي أقل من 23 سنة والمنتخب المحلي في بلوغ الاستحقاقات القارية، وكانت الهزيمة الثقيلة أمام المنتخب المغربي المحلي بثلاثة أهداف دون رد واحدة من محطات تلك الفترة.
باتيلي يملك تجربة محترمة في تكوين اللاعبين الشباب، خصوصًا مع منتخبات فرنسا للفئات السنية، كما توج بكأس أوروبا لأقل من 19 سنة سنة 2016 مع جيل ضم كيليان مبابي، وهي معطيات تمنحه رصيدًا لا يمكن تجاهله. لكن السيرة الذاتية لا تكفي وحدها، لأن الرجل لم يتسلم منتخبًا عاديًا يبحث عن بناء نفسه من الصفر، بل تسلم أبطال العالم، وبالتالي فإن السؤال الطبيعي منذ البداية كان: ماذا سيضيف باتيلي إلى هذا الجيل الذي وصل أصلًا إلى القمة؟
وهنا لا يتعلق الأمر بجنسية المدرب أو عمره، بل بمنطق الاختيار نفسه. لماذا لم يكن الحفاظ على المدرسة التي صنعت بطل العالم هو الخيار الأول؟ أين هو المدرب المغربي القادر على مواصلة مشروع وهبي؟ وهل استنفدت الكفاءات الوطنية كل إمكانياتها حتى أصبح الحل دائمًا في استدعاء اسم أجنبي؟ خصوصًا أن الجامعة نفسها أسندت مهامًا لمنتخبات الفئات السنية إلى أطر وطنية مثل أشرف الخنزار ونبيل باها ونور الدين النيبت، قبل أن تختار باتيلي تحديدًا لقيادة منتخب أقل من 20 سنة، حامل لقب كأس العالم.
لكن الملعب هو الحكم، وأول اختبار كبير جاء في ألعاب البحر المتوسط، حيث كان من الطبيعي أن يكون الهدف هو الذهب. منتخب بطل العالم لا يدخل هذه المنافسات بعقلية المشاركة، ولا يفترض أن يكون سقف طموحه مجرد الوصول إلى منصة التتويج، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجيل أثبت أنه قادر على هزيمة الكبار والجلوس على عرش كرة القدم العالمية. غير أن تجربة باتيلي انتهت بإقصاء المغرب أمام الجزائر بركلات الترجيح، بعد التعادل بهدف لمثله في نصف النهائي، لتضيع فرصة الوصول إلى النهائي والتحول من المنافسة على الذهب إلى البحث عن الميدالية البرونزية.
صحيح أن المنتخب المغربي حسم الميدالية النحاسية لاحقًا، وصحيح أيضًا أنه من غير المنطقي الحكم على مدرب من مباراة واحدة، لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: هل تتناسب النحاسية مع منتخب بطل العالم؟ الميدالية في حد ذاتها إنجاز، لكن قيمتها تختلف عندما يكون صاحبها منتخبًا توج بكأس العالم، وجاء إلى دورة ألعاب البحر المتوسط وهو يحمل طموح المنافسة على الذهب. لذلك فإن الاكتفاء بالبرونزية لا يمكن التعامل معه وكأنه نتيجة عادية، خصوصًا أن المدرب الجديد جاء تحديدًا ليحافظ على مكتسبات هذا الجيل ويقوده إلى مستويات أعلى.
المغرب اليوم يملك أكاديمية محمد السادس، ومراكز تكوين متطورة، وكفاءات وطنية ولاعبين مغاربة ينشطون في أقوى الدوريات الأوروبية، وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تعاقدتم مع مدرب فرنسي؟ بل: هل كان باتيلي فعلًا أفضل خيار متاح؟ وإذا كان الجواب نعم، فعلى الجامعة أن تشرح للرأي العام الرياضي مشروعه وأهدافه وما الذي سيضيفه إلى جيل صنع بالفعل إنجازًا تاريخيًا. لأن المدرب الذي يأتي بعد تتويج عالمي لا يبدأ من الصفر، بل يبدأ من القمة، ومن القمة تكون المسؤولية أكبر والطموح أعلى.
لقد صنع محمد وهبي التاريخ مع هؤلاء اللاعبين، ورفع سقف انتظارات الجمهور المغربي، أما باتيلي فعليه الآن أن يثبت أن اختياره لم يكن مجرد تغيير على مستوى كرسي المدرب، وأنه قادر على جعل أبطال العالم أكثر قوة وجاهزية للمنتخب الأول. أما الاكتفاء بالنحاسية في أول محطة كبرى، فلا يمكن أن يكون حكمًا نهائيًا عليه، لكنه بالتأكيد جرس إنذار مبكر، لأن من يتولى قيادة أبطال العالم لا يُقاس فقط بما إذا كان قد حصل على ميدالية، وإنما بما إذا كان قادرًا على مواصلة طريق الذهب.
لقد صنع وهبي التاريخ، أما باتيلي فعليه الآن أن يجيب فوق الملعب عن السؤال الذي طرحه تعيينه:
ماذا ستضيف إلى أبطال العالم يا باتيلي؟


