مراسل موقع ماتش بريس : قدور الفلاحي
بين الشعارات والواقع.. كرة القدم لا تعترف إلا بما يُنجز داخل الملعب
منذ إسدال الستار على نهائيات كأس العالم قطر 2022، شهد الخطاب الإعلامي في الجارة الشرقية موجة من التصريحات التي تجاوزت حدود الطموح المشروع إلى فضاء المبالغة. عبارات من قبيل “لو شاركنا في كأس العالم لتوجنا باللقب”، و“منتخبنا أفضل من المغرب”، و“المنتخب المغربي لم يقدم إنجازاً استثنائياً”، لم تعد مجرد آراء فردية، بل تحولت إلى خطاب إعلامي متكرر تبناه بعض اللاعبين الدوليين السابقين والمحللين والإعلاميين.
لكن كرة القدم، كما أثبتت عبر تاريخها، لا تعترف بالخطابات ولا بالمواقف المسبقة، وإنما تحتكم إلى حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: ما يحدث فوق المستطيل الأخضر.
اعتقد البعض أن البطولات تُحسم داخل الاستوديوهات التلفزيونية، وأن كثرة التصريحات قادرة على صناعة الإنجازات، غير أن الواقع كان أكثر صرامة. فعندما جاءت لحظة الاختبار، ظهر الفارق بين من يعمل بصمت داخل مراكز التكوين وبرامج التطوير، وبين من يكتفي بتوزيع الألقاب على نفسه قبل انطلاق المنافسات.
فالمستطيل الأخضر لا يقرأ عناوين الصحف، ولا يتابع البرامج الحوارية، ولا يتأثر بحجم الضجيج الإعلامي، بل يمنح الأفضلية لمن يمتلك الجودة الفنية والانضباط والتخطيط والاستمرارية واحترام المنافس.
التجارب الكروية الناجحة لا تُستنسخ عبر المقارنات أو التقليل من إنجازات الآخرين، بل تُبنى على مشاريع رياضية واضحة، واستثمارات حقيقية في التكوين، والاعتراف بالنواقص قبل البحث عن المبررات.
ومن كان منشغلاً بمتابعة نجاحات منافسيه أكثر من انشغاله بتطوير منظومته الكروية، وجد نفسه أمام حقيقة يصعب تجاهلها: لا يمكن الانتصار في عالم الخيال ثم انتظار أن يمنحك الواقع نفس النتيجة.
المفارقة أن الأصوات التي تحدثت سابقاً عن إمكانية الفوز بكأس العالم، قبل حتى ضمان الحضور في النهائيات، وجدت نفسها عاجزة عن الدفاع عن تلك التصريحات عندما فرضت المنافسة كلمتها.
عندها سقطت البطولات الورقية، وانهارت نظريات التفوق المزعوم أمام أبسط قواعد كرة القدم، التي تؤكد أن الإنجازات لا تُصنع بالشعارات، وإنما بالعمل المتواصل والتخطيط طويل الأمد.
وأثبتت الوقائع مرة أخرى أن كرة القدم لا تكافئ من يرفع صوته أكثر، وإنما من يرفع مستوى أدائه داخل الملعب. وهي لا تمنح المجد لمن يجيد التسويق لنفسه، بل لمن يترك أقدامه تتحدث نيابة عنه.
وهنا يتجلى الفارق بين مدارس كروية تصنع الإنجاز أولاً ثم تتحدث عنه، وأخرى تسبق تصريحاتها نتائجها، فتتحول الوعود إلى عبء يصعب تبريره أمام الجماهير.
في النهاية، كان الميدان هو الحكم الأكثر عدلاً. لم ينحز إلى الشعارات، ولم يمنح الأفضلية للضجيج الإعلامي، بل كشف الفارق بين الخطاب والواقع، وأعاد الجميع إلى نقطة البداية.
ويبقى الدرس الأهم أن كرة القدم لا تُربح عبر الميكروفونات، ولا تُحسم بالعناوين العريضة، بل تُكتب فصولها بالعمل والتخطيط والالتزام فوق أرضية الملعب. أما الشعارات التي سبقت الإنجازات، فقد تلاشت مع أول اختبار حقيقي، لتبقى عبارة واحدة تختزل المشهد بأكمله: “عودوا… لا نريد منكم شيئاً.”

