■ بقلم : قدور الفلاحي
لم يعد كأس العالم لكرة القدم ، في أدبيات العلاقات الدولية المعاصرة ، مجرد تظاهرة رياضية تتنافس فيها المنتخبات على اعتلاء منصة التتويج ، بل تحول إلى فضاء جيوسياسي تتقاطع فيه الرياضة مع الاقتصاد والدبلوماسية والثقافة والإعلام ، فالمونديال كرة القدم اليوم لم يعد يصنع الأبطال فقط ، بل يصنع أيضاً صورة الدول ، ويعيد ترتيب موازين التأثير الرمزي بينها ومن هنا ، فإن قراءة المشاركة المغربية في كأس العالم لا ينبغي أن تبقى حبيسة التحليل الفني أو التكتيكي ، بل يجب أن تمتد إلى دراسة أبعادها الاستراتيجية في سياق ما يعرف بالدبلوماسية الرياضية والقوة الناعمة وبناء العلامة الوطنية.
لقد أثبتت التجربة المغربية أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة شعبية فقط ، بل أصبحت أحد مكونات المشروع الوطني للدولة الحديثة ، فالنجاح الرياضي لم يعد هدفاً في حد ذاته ، وإنما تحول إلى وسيلة لإنتاج الثقة الدولية ، وتعزيز المصداقية ، وبناء صورة إيجابية عن المغرب في الوعي الجماعي العالمي.
ومن هذا المنطلق ، ومن منظور الصحفي والإعلامي المغربي عادل الرحموني في إحدى تدخلاته ببرنامج بث على قناة هيسبريس المغربية فإن الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني المغربي في مونديال قطر سنة 2022 لم يكن حدثاً عابراً ، بل كان لحظة مؤسسة في مسار الدبلوماسية الرياضية المغربية ، لقد نجح المغرب في كسر كثير من الصور النمطية التي ظلت تلاحق القارة الإفريقية والعالم العربي ، وقدم نموذجاً لدولة تستطيع أن تجمع بين الكفاءة التنظيمية ، والاحتراف الرياضي ، والاستقرار المؤسساتي ، والطموح الاستراتيجي.
وأضاف أن مفهوم الدبلوماسية الرياضية لم يعد ترفاً نظرياً في العلاقات الدولية ، بل أصبح أداة عملية تعتمدها الدول لتعزيز نفوذها الخارجي ، فالرياضة ، بما تمتلكه من قدرة استثنائية على الوصول إلى الشعوب ، أصبحت جسراً للحوار والتقارب وبناء الثقة ، وهو ما نجح المغرب في توظيفه بذكاء شديد ، فكل ظهور لأسود الأطلس على الساحة العالمية لم يكن مجرد مباراة لكرة القدم فقط ، بل رسالة حضارية تحمل في مضمونها صورة وطن يؤمن بالكفاءة ، ويستثمر في شبابه ، ويجعل من الرياضة إحدى روافع التنمية المستدامة ، وإذا كانت القوة الناعمة ، وفق أطروحة الباحث الأمريكي جوزيف ناي ، تقوم على الجاذبية والإقناع بدل الإكراه ، فإن المغرب نجح في تحويل إنجازه الرياضي إلى مصدر جذب واحترام ، لقد أصبح اسم المملكة المغربية يقترن بالاحترافية ، والتخطيط ، والاستقرار ، وهي عناصر لا تقتصر آثارها على المجال الرياضي ، بل تمتد إلى الاقتصاد ، والسياحة ، والاستثمار ، والعلاقات الدولية ،
غير أن ما يلفت الانتباه في التجربة المغربية من منظور الإعلامي الرياضي عادل الرحموني صاحب التجربة الكبيرة في الصحافة الرياضية والتحليل الرياضي هو أنها لم تكتف بتوظيف القوة الناعمة ، بل اتجهت نحو ما يعرف في الأدبيات السياسية بمفهوم القوة الذكية ، أي المزج بين الموارد المادية والرمزية في خدمة الأهداف الاستراتيجية للدولة. فالاستثمار في الملاعب ، ومراكز التكوين ، والبنية التحتية ، والموارد البشرية ، ترافق مع استثمار موازٍ في الصورة ، والإعلام ، والتنظيم ، والتواصل الدولي ، وهنا تتجلى الرؤية الاستراتيجية التي جعلت من الرياضة أداةً لتحقيق مكاسب تتجاوز حدود المنافسة الكروية ،

كما أن تجربة المغرب تقدم نموذجاً متقدماً في مجال بناء العلامة الوطنية ، حيث لم يعد اسم المملكة مرتبطاً فقط بتاريخها العريق أو مؤهلاتها السياحية ، بل أصبح أيضاً مرتبطاً بالنجاح الرياضي ، والكفاءة التنظيمية ، والقدرة على احتضان أكبر التظاهرات الدولية ، وأضاف الصحفي عادل الرحموني ايضا أن العلامة الوطنية اليوم تُبنى عبر قصص النجاح ، ولا شك أن كرة القدم أصبحت إحدى أهم هذه القصص في التجربة المغربية ،
ولعل اختيار المغرب شريكاً في تنظيم كأس العالم 2030 يعكس هذا التحول بوضوح ، فهذا القرار لا يمكن اختزاله في بعد رياضي أو تنظيمي ، بل يمثل اعترافاً دولياً بمسار دولة استطاعت أن تجعل من الرياضة رافعة للدبلوماسية ، والتنمية ، وتعزيز الحضور الدولي ، إنه تتويج لمسار طويل من الإصلاح والاستثمار والتخطيط ، ورسالة بأن المملكة باتت شريكاً موثوقاً في صناعة الأحداث العالمية ، لا مجرد مستضيف لها ،
لكن المحافظة على هذا المكتسب تظل رهينة بترسيخ الحكامة ، واستمرار الاستثمار في التكوين ، وربط الرياضة بالبحث العلمي والابتكار ، لأن القوة الناعمة ليست حدثاً ظرفياً ، بل مشروعاً استراتيجياً طويل النفس ، كما أن بناء العلامة الوطنية يتطلب الاستمرارية في الأداء ، والقدرة على تحويل النجاحات الفردية إلى رصيد مؤسساتي دائم.
إنني أرى أن المغرب يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعه في الخريطة الرياضية العالمية ، فالمونديال لم يعد مجرد بطولة نخوضها بحثاً عن لقب، بل أصبح منصة نعرض من خلالها نموذجنا التنموي ، ونبرز هويتنا الحضارية ، ونعزز ثقة العالم في مؤسساتنا وقدراتنا.
لقد دخل المغرب عصر الدبلوماسية الرياضية من بابه الواسع ، ولم يعد حضوره في كأس العالم يُقاس فقط بنتائج المباريات ، وإنما بقدرته على التأثير في الصورة الذهنية للعالم ، وصناعة الإعجاب ، وترسيخ الثقة ، وهذا هو جوهر القوة الناعمة في معناها الحديث ؛ أن تجعل من الإنجاز الرياضي رأسمالاً سياسياً وثقافياً واقتصادياً يخدم الوطن لعقود، لا لتسعين دقيقة فقط.
واليوم ، لم يعد السؤال : ماذا حقق المغرب في كأس العالم…!؟ بل أصبح : كيف نجح المغرب في تحويل كرة القدم إلى لغة عالمية تعكس مشروع دولة ، وتخدم مصالح أمة ، وتؤسس لمكانة دولية جديدة…؟ والإجابة ، في تقديره ، تكمن في أن المملكة لم تتعامل مع كرة القدم باعتبارها لعبة ، بل باعتبارها استثماراً استراتيجياً في الإنسان ، وفي صورة الوطن ، وفي مستقبل الدولة…

