توقيع: حميد أدادا
لم يعد الملعب في كرة القدم الحديثة مجرد مدرجات وعشب وأضواء تُشغّل في يوم المباراة ثم تُغلق أبوابها حتى لقاء آخر، لقد تحول تدريجياً إلى أصل اقتصادي متكامل يمكن أن يعمل طوال السنة، ويجمع بين كرة القدم والحفلات والمطاعم والفنادق والمتاجر والضيافة والمؤتمرات والترفيه، بل والعقار أيضاً، هذه الثورة في مفهوم الملعب أصبحت إحدى أهم التحولات التي تعرفها صناعة كرة القدم الأوروبية، في وقت تتزايد فيه كلفة اللاعبين والأجور، بينما تواجه الأندية قيوداً مالية أكثر صرامة وتحتاج إلى مصادر دخل لا تعتمد فقط على حقوق البث أو مداخيل المباريات، وتقدر McKinsey أن أوروبا ستشهد استثمارات بنحو 52 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الـ15 المقبلة في الملاعب والمناطق المحيطة بها، لكنها تؤكد أن القضية لم تعد مجرد تشييد منشآت جديدة، وإنما تصميمها لكي تتحول إلى ميزة تنافسية ومصدر دخل مستدام.
الملعب الذي يعمل 365 يوماً
الفكرة الأساسية في النموذج الجديد بسيطة: لماذا يستثمر النادي مئات الملايين في منشأة لا تستعمل إلا في أيام المباريات؟ وفق نموذج FIFA لتشغيل الملاعب، يمكن للملعب أن يوفر للنادي فرصاً تجارية 365 يوماً في السنة، حتى في الحالات التي لا يمتلك فيها النادي المنشأة بشكل مباشر، ويذهب مركز الابتكار التابع لبرشلونة إلى أبعد من ذلك، موضحاً أن الملعب الضخم يكون غير مستغل خلال معظم أيام السنة إذا اقتصر نشاطه على المباريات، لذلك ظهر مفهوم “ملعب 365 يوماً”، حيث يتحول إلى فضاء نشط طوال العام، بما يمنع تحوله إلى عبء مالي أو ما يسمى أحياناً «الفيل الأبيض»، وهنا يتغير السؤال من: كم يتسع الملعب؟ إلى: كم يوماً يعمل؟ وكم يحقق من الإيرادات عندما لا توجد مباراة؟
أرسنال ويوفنتوس.. البداية الأوروبية
كانت تجارب بعض الأندية الكبرى بمثابة نقطة التحول، فأرسنال ضاعف مداخيل أيام المباريات بعد انتقاله من هايبري إلى ملعب الإمارات، فيما رفع يوفنتوس إيراداته السنوية من نحو 20 مليون يورو إلى أكثر من 50 مليوناً بعد افتتاح ملعبه الجديد عام 2011، هذه التجارب أثبتت أن الملعب المصمم وفق نموذج اقتصادي واضح يمكن أن يصبح أداة تمويل للنادي، وليس مجرد تكلفة ضخمة، وتشير تحليلات متخصصة إلى أن تطوير مناطق الضيافة، وزيادة المقاعد المميزة، وتحسين تجربة المشجع والتسعير، أصبحت من أهم الوسائل لرفع العائد من الملعب.
من التذاكر إلى الحفلات والمطاعم والمتاحف
النموذج الجديد لا يتوقف عند بيع تذاكر المباريات، فالملاعب الحديثة تستضيف الحفلات الموسيقية، المعارض، المؤتمرات، المطاعم، المتاجر، الجولات السياحية، المتاحف ومرافق الضيافة، وتقدم صحيفة Financial Times نماذج لأندية أوروبية حولت ملاعبها إلى أصول تجارية، مع توقعات بوصول إيرادات أحد المتاحف المرتبطة بملعب كبير إلى نحو 50 مليون يورو، وهو رقم يوازي ما تحققه بعض أندية الدوري الإسباني من حقوق البث، أما نموذج McKinsey الحديث فيذهب إلى أن الملاعب الجديدة يجب أن تستهدف أكثر من 300 يوم تشغيل سنوياً، عبر الضيافة والفنادق والنوادي الخاصة والحفلات والفعاليات وغيرها.
أتلتيكو مدريد.. الملعب كمنصة اقتصادية
من أبرز النماذج الأوروبية أتلتيكو مدريد، الذي جعل ملعب متروبوليتانو جزءاً من استراتيجية اقتصادية تتجاوز كرة القدم، الملعب لم يعد يستضيف مباريات الفريق فقط، بل أصبح وجهة للحفلات والفعاليات، بما في ذلك حفلات ضخمة لفنانين عالميين، والفكرة الأساسية هنا أن النادي لا ينتظر 19 مباراة في الدوري ثم بعض مباريات الكؤوس والمسابقات الأوروبية لتحصيل الإيرادات؛ بل يحاول تشغيل الأصل في أكبر عدد ممكن من الأيام، وهذا الاتجاه يتوسع في أوروبا. حتى أرسنال، وفق تقرير حديث، يريد زيادة استخدام ملعبه في الفعاليات والحفلات، بعدما أثبتت الملاعب المنافسة مثل ملعب توتنهام قدرة الحفلات على تحقيق عائدات مهمة.

الـVIP.. مساحة صغيرة تصنع إيرادات ضخمة
ومن أهم التحولات أن اقتصاد الملعب لم يعد يقاس بعدد المقاعد فقط، المقاعد المميزة، الأجنحة الخاصة، المطاعم، الصالات التنفيذية والخدمات الفاخرة أصبحت جزءاً أساسياً من النموذج الاقتصادي، وتوضح تقارير صناعة الملاعب أن تطوير مناطق الضيافة يمكن أن يرفع الإيرادات بشكل كبير حتى دون زيادة هائلة في الطاقة الاستيعابية، وتؤكد بيانات Deloitte حجم التحول؛ فقد تجاوزت مداخيل أيام المباريات لأندية “Money League” حاجز ملياري يورو للمرة الأولى، مع نمو سنوي بلغ 11%، مدفوعاً بزيادة الطاقة الاستيعابية وأسعار التذاكر وتوسع عروض الضيافة المميزة.
اسم الملعب نفسه أصبح سلعة
هناك مصدر آخر للدخل: حقوق تسمية الملعب، فاسم المنشأة لم يعد بالضرورة ثابتاً، إذ تستطيع الأندية بيعه لشركة كبرى مقابل عقود طويلة الأمد، ويمكن أن تتحول هذه الحقوق إلى أداة تمويل للمشروع نفسه، وهكذا أصبح الملعب يمتلك مجموعة من الأصول القابلة للبيع والاستثمار: التذاكر، المقاعد المميزة، المطاعم، المتاجر، المتحف، الحفلات، الإعلانات، حقوق التسمية، الجولات السياحية وحتى المساحات العقارية المحيطة.
الملكية.. نصف المعركة
لكن هناك عاملاً حاسماً: من يملك الملعب؟ امتلاك النادي للمنشأة يمنحه سيطرة أكبر على الإيرادات والبرمجة والاستثمار والتطوير. أما عندما يكون الملعب مملوكاً لإدارة عمومية أو طرف ثالث، فقد يجد النادي نفسه محدود القدرة على استغلاله تجارياً، ولهذا تركز الاستراتيجيات الحديثة على العلاقة بين النادي والملعب والمنطقة المحيطة به، وليس على المدرجات وحدها، وتشير McKinsey إلى أن دورة الاستثمار المقبلة في الملاعب الأوروبية ستكون مرتبطة ببناء منظومات تجارية متكاملة، وليس مجرد تحسينات في البنية الرياضية.
وماذا عن المغرب؟
هنا يصبح السؤال أكثر أهمية، فالمغرب يستثمر بقوة في تحديث وبناء الملاعب استعداداً لاستضافة أكبر المسابقات الدولية، لكن نجاح هذه الاستثمارات لا يجب أن يقاس فقط بعدد المقاعد، جودة العشب أو جمال الواجهة، التحدي الحقيقي هو ماذا سيحدث في الأيام التي لا توجد فيها مباراة؟ هل سيكون الملعب مفتوحاً أمام السياحة الرياضية؟ هل سيضم متحفاً؟ مطاعم ومتاجر؟ فضاءات للمؤتمرات؟ حفلات موسيقية؟ مناطق للضيافة؟ جولات سياحية؟ مراكز تجارية؟ وهل ستستفيد الأندية نفسها من هذه الأنشطة؟
التجربة الدولية تقول إن الملعب الذي يستقبل مباراة واحدة كل أسبوعين تقريباً لا يستغل إمكاناته الاقتصادية كاملة. أما الملعب الذي يتحول إلى وجهة يومية، فيمكنه أن يخلق مداخيل إضافية للنادي والمدينة والمنطقة المحيطة به، والأمر لا يتعلق بالضرورة ببناء ملعب جديد، حتى المنشآت القائمة يمكن إعادة التفكير في طريقة تشغيلها، عبر الاستثمار في الخدمات التجارية والترفيهية وربطها بالمجال الحضري والسياحي.
من “الفيل الأبيض” إلى أصل منتج
أكبر خطر في مشاريع الملاعب العملاقة هو أن تتحول بعد انتهاء البطولات الكبرى إلى منشآت مكلفة في الصيانة وقليلة الاستخدام، ولهذا فإن فلسفة 365 يوماً تقدم حلاً واضحاً: لا تبنِ الملعب من أجل البطولة فقط، بل ابنِ نموذجاً اقتصادياً يستطيع الاستمرار بعد البطولة، فكرة القدم الحديثة لم تعد تبيع 90 دقيقة فقط، إنها تبيع التجربة، المكان، الضيافة، الترفيه، السياحة، التجارة والوقت، ولهذا فإن الملعب الناجح في المستقبل لن يكون بالضرورة الأكبر سعة، وإنما الأكثر قدرة على تحويل كل متر مربع وكل يوم من أيام السنة إلى قيمة اقتصادية، المعادلة الجديدة واضحة.


